المحقق البحراني
25
الكشكول
( أحدهما ) أن الذي صرح به جملة المفسرين في معنى النسىء إنما هو عبارة عن تحليل هذه الأشهر الحرم واستباحة الغارة والقتال فيها وتعويض غيرها من أشهر السنة عوضها فيحرمون فيها القتال ويحجون فيها كما قدمنا بيانه ، لا أنه عبارة عما ذكره إذ لا يظهر لمعنى النسىء وجه بالكلية ، لأنه متى كان الحج عندهم في كل شهر من شهور السنة مرتين وكان هذا أمرا مستمرا وعادة مطردة عندهم يكون موسم الحج عندهم معروفا لا تقديم فيه ولا تأخير ، فلا يظهر للنسيء في الحج معنى ، وقوله سبحانه : إِنَّمَا النَّسِيءُ إلى قوله سبحانه : يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً إنما ينطبق على ما ذكرنا . وفي تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي إنه كان سبب نزولها أن رجلا من كنانة كان يقف في الموسم فيقول : قد أحللت دماء المحلين طي وخثعم في شهر المحرم وأنسأته وحرمت بدله صفر ، فإذا كان العام المقبل يقول : قد أحللت صفر وأنسأته وحرمت بدله شهر المحرم ، فأنزل الله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ الآية . ( وثانيهما ) أن ما ذكره من كون الحجة التي قبل حجة الوداع كانت في ذي القعدة ترده الأخبار الواردة بقراءة أمير المؤمنين عليه السّلام آيات براءة في موسم الحج في تلك السنة ، فإنها صريحة في كون الحج كان في ذي الحجة ، ففي حديث عن الصادق عليه السّلام في تفسير قوله تعالى : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فهذه أشهر السياحة عشرين من ذي الحجة والمحرم وربيع الأول وفي حديث آخر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلّم فلما قدم علي عليه السّلام مكة وكان يوم النحر بعد الظهر وهو يوم الحج الأكبر قام ثم قال : إني رسول اللّه إليكم فقرأ عليهم بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر إلى غير ذلك من الأخبار . فقد اتضح بذلك أن الأظهر في وجه التناقض فيما نقله شيخنا ثقة الإسلام قدس اللّه سره هو ما قدمنا نقله أولا وان يكون مدة الحمل به تسعة أشهر . وعلى تقدير صحة كلام مجاهد فالذي يلزم منه أيضا أن مدة حمله صلى اللّه عليه وآله وسلّم عشرة أشهر كما عرفت لا ما توهمه ذلك القائل المتقدم من كونه سنة . وبذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني قدس اللّه سره في شرح اللمعة حيث قال بعد نقل الأقوال في أقصى مدة الحمل : واتفق الأصحاب على أنه لا يزيد عن السنة مع أنهم رووا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم انه حملت به أمه أيام التشريق